أحمد مطلوب
639
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
حتى يقتلوا دون الأسر واعطاء اليد ، فانّ المقابلة حينئذ تصحّ وتترتب على ما شرطنا وهذه عندهم تسمى « مقابلة الاستحقاق » ويقرب منها قول أبي الطيب : رجلاه في الركض رجل واليدان يد * وفعله ما تريد الكفّ والقدم لأنّ الكفّ من اليد بمنزلة القدم من الرجل فبينهما مناسبة وليست مضادة ولو طلبت المضادة لكان الرأس أو الناصية أولى » « 1 » . وقسّمها ابن قيّم الجوزية إلى مقابلة لفظية ومعنوية « 2 » وقسّمها الزركشي إلى ثلاثة أقسام : نظيري ونقيضي وخلافي « 3 » ، ومثال المقابلة النظيرين مقابلة السنة والنوم في قوله تعالى : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ « 4 » لأنهما جميعا من باب الرقاد المقابل باليقظة . ومثال مقابلة النقيضين قوله تعالى : وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ « 5 » ، ومثال مقابلة الخلافين قوله تعالى : وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً « 6 » . قال المدني : « وهذا تقسيم غريب قلّ من ذكره ، ولعل قائله تفرد به » « 7 » وقسّم بعضهم المقابلة إلى أربعة أنواع « 8 » . الأوّل : أن يأتي بكل واحد من المقدّمات مع قرينه من الثواني كقوله تعالى : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً « 9 » . الثاني : أن يأتي بجميع الثواني مرتّبة من أوّلها كقوله تعالى : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ « 10 » . الثالث : أن يأتي بجمع المقدّمات ثم بجمع الثواني مرتّبة من آخرها ويسمّى ردّ العجز على الصدر كقوله تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ « 11 » . الرابع : أن يأتي بجميع المقدّمات ثم بجميع الثواني مختلطة غير مرتّبة ويسمّى اللّف كقوله تعالى : وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ « 12 » فنسبة قوله : مَتى نَصْرُ اللَّهِ إلى قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا كنسبة قوله : يَقُولَ الرَّسُولُ إلى إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ لأنّ القولين المتباينين يصدران عن متباينين . والمقابلة إذا استعملت في موضعها كانت بديعة كما ظهر في الأمثلة السابقة ، وهي والمطابقة تزيد المعنى وضوحا ، اما إذا استعملت في غير موضعها كانت فاسدة نابية ، وقد أشار قدامة إلى ذلك وتكلّم على فساد المقابلات وقال : « ومن عيوب المعاني فساد المقابلات وهو أن يضع الشاعر معنى يريد أن يقابله بآخر إما على جهة الموافقة أو المخالفة فيكون أحد المعنيين لا يخالف الآخر ولا يوافقه ، مثل ذلك قول أبي عدي القرشي : يا ابن خير الأخيار من عبد شمس * أنت زين الدنيا وغوث الجنود فليس قوله : « وغيث الجنود » موافقا لقوله : « زين الدنيا » ولا مضادا ، وذلك عيب » « 13 » . وقال العسكري : « وفساد المقابلة أن تذكر معنى تقتضي الحال ذكرها بموافقة أو مخالفة فيؤتى بما لا يوافق ولا يخالف مثل أن يقال « فلان شديد البأس نقي الثغر » أو « جواد الكلف أبيض الثوب » أو تقول : « ما صاحبت
--> ( 1 ) العمدة ج 2 ص 16 . ( 2 ) الفوائد ص 147 . ( 3 ) البرهان في علوم القرآن ج 3 ص 458 . ( 4 ) البقرة 255 . ( 5 ) الكهف 18 . ( 6 ) الجن 10 . ( 7 ) أنوار الربيع ج 1 ص 300 . ( 8 ) البرهان في علوم القرآن ج 3 ص 460 . ( 9 ) النبأ 10 - 11 . ( 10 ) القصص 73 . ( 11 ) آل عمران 106 - 107 . ( 12 ) البقرة 214 . ( 13 ) نقد الشعر ص 229 .